الآلوسي
64
تفسير الآلوسي
في " المصباح " كتم من باب قتل يتعدى إلى مفعولين ويجوز زيادة من في المفعول الأول فيقال : كتمت من زيد الحديث كما يقال : بعته الدار وبعتها منه . نعم تعلقه بذلك خلاف الظاهر بل الظاهر تعلقه بمحذوف وقع صفة ثانية لرجل ، والظاهر على هذا كونه من آل فرعون حقيقة وفي كلامه المحكي عنه بعدما هو ظاهر في ذلك واسمه قيل : شمعان بشين معجمة ، وقيل : خربيل بخاء معجمة مكسورة وراء مهملة ساكنة ، وقيل : حزبيل بحاء مهملة وزاي معجمة ، وقيل : حبيب . وقرأ عيسى . وعبد الوارث . وعبيد بن عقيل . وحمزة بن القاسم عن أبي عمرو * ( رجل ) * بسكون الجيم وهي لغة تميم ونجد * ( أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً ) * أي أتقصدون قتله فهو مجاز ذكر فيه المسبب وأريد السبب ، وكون الإنكار لا يقتضي الوقوع لا يصححه من غير تجوز * ( أَن يَّقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ ) * أي لأن يقول ذلك * ( وَقَدْ جَاءَكُمْ بالبَيِّنَات ) * الشاهدة على صدقه من المعجزات ، والاستدلالات الكثيرة وجمع المؤنث السالم وإن شاع أنه للقلة لكنه إذا دخلت عليه أل يفيد الكثرة بمعونة المقام . والجملة حالية من الفاعل أو المفعول ، وهذا إنكار من ذلك الرجل عظيم وتبكيت لهم شديد كأنه قال : أترتكبون الفعلة الشنعاء التي هي قتل نفس محرمة وما لكم عليه في ارتكابها إلا كلمة الحق التي نطق بها وهي قوله : * ( ربي الله ) * مع أنه قد جاءكم بالبينات * ( منْ رَبِّكُمْ ) * أي من عند من نسب إليه الربوبية وهو ربكم لا ربه وحده ، وهذا استدراج إلى الاعتراف وفي * ( أن يقول ربي الله - إلى - من ربكم ) * نكتة جليلة وهي أن من يقول ربي الله أو فلان لا يقتضي أن يقابل بالقتل كما لا تقابلون بالقتل إذا قلتم : ربنا فرعون كيف وقد جعل رب من هو ربكم فكان عليكم بأن تعزروه وتوقروه لا أن تخذلوه وتقتلوه ، وجوز الزمخشري كون * ( أن يقول ) * على تقدير مضاف أي وقت أن يقول فحذف الظرف فانتصب المضاف إليه على الظرفية لقيامه مقامه ، والمعنى أتقتلونه ساعة سمعتم منه هذا القول من غير روية ولا فكر في أمره ، ورده أبو حيان بأن القائم مقام الظرف لا يكون إلا المصدر الصريح كجئت صياح الديك أو ما كان بما الدوامية دون الغير الصريح كجئت أن صاح أو أن يصيح الديك ، وفيه أن ابن جني كالزمخشري صرح بالجواز وكل إمام . ثم أن الرجل احتاط لنفسه خشية أني عرف اللعين حقيقة أمره فيبطش به فتلطف في الاحتجاج فقال : * ( وَإنْ يَكُ كَاذباً فَعَلَيْه كَذبُهُ ) * لا يتخطاه وبال كذبه فيحتاج في دفعه إلى قتله * ( وَإنْ يَكُ صَادقاً يُصبْكُمْ بَعْضُ الَّذي يَعدُكُمْ ) * فلا أقل من أن يصيبكم بعض الذي يعدكم به أو يعدكموه ، وفيه مبالغة في التحذير فإنه إذا حذرهم من إصابة البعض أفاد أنه مهلك مخوف فما بال الكل وإظهار للإنصاف وعدم التعصب ولذا قدم احتمال كونه كاذباً ، وقيل : المراد يصبكم ما يعدكم من عذاب الدنيا وهو بعض مواعيده كأنه خوفهم بما هو أظهر احتمالاً عندهم ، وقيل : بعض بمعنى كل وأنشدوا لذلك قول عمرو القطامي : قد يدرك المتأني بعض حاجته * وقد يكون مع المستعجل الزلل وذهب الزجاج إلى أن * ( بعض ) * فيه على ظاهره ، والمراد إلزام الحجة وإبانة فضل المتأني على المستعجل بما لا يقدر الخصم أن يدفعن فالبيت كالآية على الوجه الأول ، وأنشدوا لمجىء بعض بمعنى كل قول الشاعر : إن الأمور إذا الأحداث دبرها * دون الشيوخ ترى في بعضها خللاً